مسار و مصير العلاقة العراقية السعودية

//مسار و مصير العلاقة العراقية السعودية

مسار و مصير العلاقة العراقية السعودية

العقلية و المنظومة الحاكمة في  العراق في واد ، و نظيرتها السعودية في واد آخر ، وكذا تحالفات الطرفين الدولية و الإقليمية.

هكذا فصلَت هذه الخلافات الجوهرية بين البلدين، الَّلذين تفصل بينهما حدود تزيد عن 800 كم ، فظلّت علاقة البلدين غير مستقرة، منذ الخروج من حقبة العثمنة الى حقبة الأيرنة.

و ستظل غير مستقرة و حدودهما باب لخطر مُحتمل على الدوام، اذا ظل العراق يدور في ظل أنظمة سياسية  تُغرد خارج سرب النظام الدولي، فتحوله خصما و ليس باب للحصن السعودي، كما قال الملك عبد العزيز رحمه الله.

فرغم أن العراق جزء من الخليج العربي، فإنه ليس من أعضاء مجلس التعاون الخليجي، و رغم إنهما من الأعضاء المؤسسين للجامعة العربية، فقد فشلت الجامعة في حل  مُعضلتهما.

و اذا نجحت الجامعة العربية في شيئ، فقد نجحت في إفشال مشاريع الوحدة العربية، التي رفع شعاراتها العراق في حقبتيه الهاشمية و القومية، كما إن حقبة الأيرنة قد زادت طين علاقة العراق بالسعودية بِلَّة و مرضها عِلّة.

 فقد ظلت عقلية حُكام العراق عقلية ثورية في عهوده الثلاث، الهاشمية و القومية و الأيرانية، في حين أن عقلية حكام المملكة العربية السعودية عقلية واقعية.

كما ظل نموذج الحكم في العراق  نموذج عابر للحدود في عهوده الثلاث، في حين إن نموذج الحكم في السعودية، نموذج دولة أُمة بُنيةً و هويةً و بوصلة.

 كما أن تحالفات العراق في عهوده الثلاث  تميزت برفض الإنتداب البريطاني و التحالف مع الولايات المُتحدة في الحقب الثلاث الهاشمية القومية و الإيرانية، في حين أن تحالفات السعودية كانت ثابتة مع بريطانيا و أميركا.

و المشكلة في تحالفات الطرفين أن الشرق الأوسط و خصوصاً الخليج (و العراق شماله) منطقة حاسمة للغرب، و الصراع عليها دولي منذ اللعبة الكبرى بين بريطانيا العظمى و روسيا القيصرية و حتى اليوم.

و قد أثبتت أحداث المائة سنة الماضية إن خصوم الغرب عاجزون عن الدفاع عن حلفائهم، مما يعني أن على دول هذه المنطقة أن تتحالف مع الولايات المتحدة مع إنعدام فُرص الحياد في هذا الصراع.

كما أثبتت  السنوات المائة الماضية إن مُقتضيات نموذج الدولة الأمة في سياساته الخارجية و تحالفاته الدولية و الإقليمية، خط أحمر دولي.

فلايجوز  تجاوز الحدود بعوامل غير دولتية مُعادية للدولة الأُمة، كما لا يجوز جعل النفط سلاحا في المعركة ضد النظام الدولي، و حرب ٤٨ و ٧٣ و عقوبات ترمب ضد إيران اليوم دليل على ذلك.

لكن العراق تجاوز الحدود و جعل النفط سلاحاً في معركته ضد النظام الدولي، و لم يترك حُكام العراق في عهده الهاشمي او الجمهوري او الإيراني، المطالبة بالكويت، بل إن صدام تجرأ فإحتل الكويت و الخفجة و قصف الظهران و الرياض بالصواريخ الباليستية.

و سيناريو غزو الكويت قد تكرره مليشيات إيران اذ أمسى العراق معها كأنه أفغانستان ثانية، كما قال نايف بن عبد العزيز،  وزير الداخلية السعودي في عام 2004، و كررها قبل أشهر زعيم مليشيا العصائب قيس الخزعلي.

و رغم أن نهايات الربع الأول من القرن الواحد و العشرين، تشهد إنطلاق ثُلاثية سعودية أميركية عراقية، قد تُثمر عن إستقرار العلاقة العراقية السعودية المقطوعة منذ غزو الكويت عام 1990، و عن إتفاقيات و أحلاف جديدة؛

 لكن لا يمكن للثلاثية السعودية الأميركية العراقية النجاح في تحقيق الإستقرار لعلاقة البلدين، دون قضاء بغداد على مليشيات الحشد الشعبي المُعادية للدولة الأُمة و التي تربط العراق بمحور إيران الإقليمي، و الّا قد يتكرر سيناريو ثورة 1941.

فإستقرار علاقة البلدين في ثلاثينيات القرن العشرين جاءت بعد قضاء الملك عبد العزيز على حركة إخوان من أطاع الله العابرة للحدود، كما  تحققت في ظل علاقة سعودية بريطانية و علاقة عراقية بريطانية .

فكان من ثمرتها مؤتمر ليون في عام 1930 برعاية بريطانية و حضور العاهلين السعودي و العراقي، و أثمر  هذا التطور عن أربعة إتفاقيات في 1931-1936-1938-1939.

فإتفاقية 1931 كانت صداقة و حسن جوار، و اخوة و تحالف في عام 1936، و تبعية عشائر و تنظيم مياه و حدود في عام 1938، و إتفاقيتين عسكريتين في 1939.

لكن رغم الإتفاقيات الأربع، التي جرت في ظل ثُلاثية بريطانية سعودية عراقية، فإن العراق في ثلاثينيات القرن الماضي أصبح ملجأً للقوميين الثوريين العرب الرافضين للإنتداب البريطاني.

فإنتهى الأمر بثورة رشيد عالي الكيلاني عام ١٩٤١ و العُقداء الأربعة و حكومة للدفاع الوطني، و هي ثورة  و حكومة موالية للألمان ضد بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية.

و رغم أن رشيد عالي لجأ للسعودية بعد إندحار الثورة، و رفضت السعودية تسليمهُ للعراق، فإن السعودية رفضت أيضا الإستجابة لحكومة رشيد عالي التي أرسلت لها وزير ماليتها ناجي السويدي يطلب المساعدة بحسب إتفاقية الإخوة و التحالف، و طلبت منه التفاهم مع البريطانيين.

و التفاهم مع البريطانيين أمس كما التفاهم مع الأميركيين اليوم، هو حجر أساس الإلتزام بالنظام الدولي، الذي إلتزمت به السعودية، فبديله فوضى الألمان أمس او إيران اليوم.

 و هكذا ظلّت المملكة العربية السعودية، حجر أساس  نموذج الدولة الأُمة في المنطقة، مُنذ نهاية الربع الأول من القرن العشرين حتى نهاية الربع الأول من القرن الواحد و العشرين.

فقد إنتصرت السعودية على كل النماذج المُعادية لنموذج الدولة الأمة، التي عاندت ظهور السعودية الثالثة، سواء منهم الهاشميين بالحجاز، او آل الرشيد في نجد الموالون للعثمنة، او حركة إخوان من أطاع الله.

و على أبواب نهاية الربع الأول من القرن الواحد و العشرين،  إنتصرت السعودية الرابعة على كل عوامل الإسلام السياسي و الجهادي السني و الشيعي التي عاندت ظهور السعودية الرابعة.

و بعكس السعودية، كان ملوك الهاشميين يؤمنون بخلافة عربية او وحدة عربية او إتحاد هاشمي او سوريا كبرى،  و كذا نماذج حكم الحزب الواحد بعد إنقلاب 1958، او حقبة الأيرنة بعد 2003.

و حين ظل علمُ السعودية واحدٌ طوال مائة عام، كان للعراق  علمٌ في كل عهد من عهوده الثلاث، فالعهد الهاشمي له علمٌ إنتهى بإنقلاب 1958، و للجمهوري علمٌ إنتهى بعد تحرير الكويت، و لعراق 2003 علمٌ يختلف عن أعلام من سبقه.

فإذا كان للإستقرار عنوان منذ الخروج من حقبة العثمنة الى الخروج من حقبة الأيرنة، فإن السعودية كانت عنوانه، فقد ثبتت في تحالفاتها و سياساتها الخارجية و في نموذج الدولة الأُمة، و بعكسها كان العراق.

 لقد صبرت السعودية على العراق (صبر أيوب)، و فعلت المستحيل لإستقرار علاقة البلدين، و وقفت مع العراق في كل أزماته، و غنيٌ عن البيان و قفتها معه في حربه مع إيران، التي كان جزاؤها منه كجزاء سنمار.

و في ظل قرار الخروج من حقبة الأيرنة الذي تبنته السعودية، فإستقرار علاقة العراق و السعودية أمست محكومة بخروج العراق أيضا من حقبة الأيرنة و عصر الأدلجة الذي تجاوزته العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة. 

و لتحقيق ذلك إقترحت السعودية في عام 2004 على البيت الأبيض نشر قوة عربية إسلامية في العراق، و رغم رفض البيت الأبيض للإقتراح، فإن الفكرة لا تزال مطروحة و قد أشارت لها قمة الرياض عام 2017.

و مثلما ساعدت بريطانيا و العراق السعودية في القضاء  على حركة إخوان من أطاع الله، الذين كانوا يُهاجمون المخافر العراقية على الحدود، فقد تُشارك أميركا و السعودية العراق اليوم في القضاء على الحشد الشعبي المرتبط بإيران الذي يعد تهديداً جدياً للسعودية.

و اذا قيل كيف تُحاربون من حارب داعش، نقول أن حركة إخوان من أطاع الله قد شاركت في حرب آل الرشيد و الهاشميين، فلم يُغني عنها ذلك، لأن داعش و إخوان من أطاع الله و مليشيات إيران أوجه مُتعددة لخصوم نموذج الدولة الأُمة.

و نموذج الدولة الأُمة هو حجر أساس النظام الدولي الذي يُحارب اليوم العوامل العابرة للحدود قومية كانت او دينية او فكرية بتحالفات دولية.

و آخر هذه التحالُفات كانت التحالُف الدولي ضد داعش، الذي إنهى داعش، و قرر منع ظهورها و مواجهة منظومة حقبة الأيرنة  دولياً و إقليمياً، و إعادة الإستقرار للعراق و المنطقة، و تصريح ترمب الأخير في مُراقبة إيران من داخل العراق قد يكون من آخر الأدلة على ذلك.

الكاتب |2019-02-04T22:48:15+00:00فبراير 4th, 2019|مقالات|1 Comment

One Comment

  1. Dapelvin فبراير 10, 2019 at 6:01 م - رد

    أوربا واليابان لم تخرج من الإرهاب الإقليمي الا بمساعده أمريكا. جلاوزه وارهاب المجوس الممنهج يهدف لاباده سنه العراق ويليهم شيعتهم. قتل حرام وسلب وسبي ومخدرات وتجاره بالبشر والقيم وكاتم صوت وصواريخ ونووي. أمريكا هي حليفنا الاستراتيجي بمرها وحلاوتها وكفنا ما عشناه منذ عام 1958

اترك تعليق